السيد كمال الحيدري
272
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
العلم والمعلوم شيءٌ واحد ، ولكنّهما يختلفان بالاعتبار ، لأنّك إذا نظرت إلى نفس الصورة تسمّيها معلوماً ، وإذا نظرت إليها بما هي سبب لجعلك عالماً تسمّيها علماً ، فإذن العلم والمعلوم اختلافهما اعتباريّ وحقيقتهما شيءٌ واحد ، وهذا من قبيل ما يقولونه عندما يحصل كسر وانكسار ، فأنت تقول كسرت الإناء فانكسر ، فهنا الكسر والانكسار شيءٌ واحد وحقيقة واحدة وهي انكسار الإناء ، ولكن هذا الفعل إذا نسبته إلى الفاعل تقول كسر ، وإذا نسبته إلى الشيء المنكسر تقول انكسار انكسر الشيء . وفي العلم والمعلوم إذا نسبت الشيء إلى من اتّصف به تقول : هذا علم له ، وإذا نسبته إلى نفس الصورة تقول هذا معلوم له . فالعلم والمعلوم حقيقة شيء واحد ، ولكن العالم هو وراء العلم ووراء المعلوم . فقبل هذا العلم كان فيه قابليّة أن يكون عالماً ، وبعد أن حصلت هذه الصورة التي هي المعلوم صار عالماً . إذن في حقيقة الأمر نحن عندنا عالم وعلم ، أو عالم ومعلوم ، فإنّ العلم والمعلوم مرجعهما إلى شيء واحد حقيقةً ، واصطلاح « اتّحاد العلم والعالم والمعلوم » يُطلق على مراتب متعدّدة كالعلم الكلّي ، العلم المثالي ، العلم الجزئي ، وهذه كلّها تسمّى علوماً . وهي مراتب النفس من الحسّ والتخيّل والعقل ، أمّا عندما تطلق « العقل » فالمراد منه المرتبة الكلّية ولا يشمل المراتب الجزئيّة ، لذا فالتعبير الصحيح والأدقّ أن نقول : « العلم والعالم والمعلوم » . أمّا تعبير « العقل والعاقل والمعقول » فهو أخصّ من العلم والعالم ، وبحسب الاصطلاحات الفلسفيّة يستعملان كالمترادفين ، وإن كان بحسب الدقّة أحدهما أخصّ والآخر أعمّ . ولكنّهم بحسب الاصطلاح قد يعبّرون بالعلم والعالم والمعلوم ، وقد يعبّرون بالعقل والعاقل والمعقول « 1 » .
--> ( 1 ) تعود نسبة هذه القاعدة إلى هذا الفيلسوف « فرفريوس » الذي ولد في سوريا عام / / 232 م وتوفّي في روما عام 304 م . كان تلميذ كلّ من نوجين وأورجين وأفلوطين ، وأحد فلاسفة مدرسة الإسكندريّة ومن الأفلاطونيّين الجُدد . له كتاب يحمل عنوان « المقدّمة » يبرز فيه أفكار أفلوطين ، كما يقدّم في كتاب آخر يدعى « حياة أفلوطين » معلومات مهمّة عن أستاذه ، ويعتبر من المعارضين للمسيحيّة ، وقيل إنّه ألّف 15 كتاباً ورسالة ضدّها . ولديه كتاب آخر يحمل عنوان « فيفا غورس » .